الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
372
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
بذلك بالمدينة في القنوت كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ، ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص ، إذ لا مانع أن يدعو عليهم مرارا . والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود : « ثم عادوا ، فذلك قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى « 1 » يوم بدر » ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر . وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك ، فلذلك قال : « وأبيض يستسقى الغمام بوجهه » لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة ، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل . وفي الدلائل للبيهقي عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال : دعا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على مضر ، فأتاه أبو سفيان فقال : ادع اللّه لقومك قد هلكوا . وقد رواه أحمد وابن ماجة عن كعب بن مرة ، ولم يشك ، وأبهم أبا سفيان فقال : جاءه رجل فقال : استسق اللّه لمضر ، قال : يا رسول اللّه استنصرت اللّه فنصرك ودعوت اللّه فأجابك ، فرفع يديه فقال : « اللهم اسقنا غيثا مغيثا » الحديث فظهر أن هذا الرجل المبهم المقول له : « إنك لجريء » هو أبو سفيان . لكن يظهر أن فاعل « قال يا رسول اللّه استنصرت اللّه إلخ » هو كعب بن مرة راوي هذا الحديث ، فما أخرجه أحمد والحاكم عن كعب بن مرة المذكور قال : « دعا رسول اللّه على مضر ، فأتيته فقلت : يا رسول اللّه إن اللّه قد نصرك وأعطاك واستجاب لك ، وإن قومك قد هلكوا » . وعلى هذا : فكأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا ، فكلمه أبو سفيان بشيء ، فدل ذلك على اتحاد قصتهما ، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله « إنك لجريء » ومن قوله : « اللهم حوالينا ولا علينا » . وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله « استنصرت اللّه فنصرك » . ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة مع قصة أنس السابقة ، فهي واقعة أخرى ، لأن في رواية أنس « فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا » وفي هذه « فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا » ، والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك ، فهما قصتان ، وقع في كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء ، ثم
--> ( 1 ) سورة الدخان : 16 .